كُنُوزٌ بَيْنَ دَفَّتَيْنِ:رِحْلَةُ الْكِتَابِ مِنَ الْوَرَقَةِ إِلَى الرُّوحِ
مُقْدِمَةٌ
فِي عَصْرِ السُّرْعَةِ الرَّقْمِيَّةِ، يَبْقَى الْكِتَابُ الْوَرَقِيُّ أَنِيسًا صَادِقًا لَا تَذْوِي حَضَارَتُهُ، وَلَا تَبْلَى حكَايَاتُهُ. لَيْسَ الْكِتَابُ مَجْمُوعَةَ أَوْرَاقٍ تُعَدُّ فَحَسْبُ، وَلَا عُنْوَانًا بَارِزًا عَلَى غِلَافٍ، بَلْ هُوَ بِحَقٍّ: صَنْدُوقُ أَسْرَارٍ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ غِذَاءَ الرُّوحِ، وَنَبْضَ الْعِلْمِ، وَشَذَى الْحِكْمَةِ. فَكُلَّمَا انْغَمَسْنَا فِي سُطُورِهِ، اِتَّسَعَتْ أَفَاقُنَا، وَتَعَمَّقَتْ رُؤَانَا، وَتَشَكَّلَتْ مِنْ جَدِيدٍ أَنْفُسُنَا.
1- الْكِتَابُ: مَصْدَرُ الْمَعْرِفَةِ وَرَائِدُ التَّغْيِيرِ
يَقُومُ الْكِتَابُ بِدَوْرِ الرَّائِدِ الَّذِي يَسْبِرُ أَعْمَاقَ الْقَضَايَا، فَسَوَاءً كَانَ يَطْرَحُ فِكْرَةً فَلْسَفِيَّةً، أَوْ يُشَخِّصُ مُشْكِلَةً اجْتِمَاعِيَّةً، أَوْ يُحلِّلُ ظَاهِرَةً عِلْمِيَّةً، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ لَنَا أَدَوَاتِ الْفَهْمِ وَالتَّحْلِيلِ. وَكَمَا قَالَ الْعَظِيمُ مُصْطَفَى مَحْمُود: «الْكِتَابُ وَسِيلَةُ الْحِوَارِ مَعَ الْعُقُولِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي عَاشَتْ قَبْلَنَا». فَهُوَ يُعَرِّفُنَا بِأَسْبَابِ الظَّوَاهِرِ وَمَظَاهِرِهَا، وَيَقْتَرِحُ الْحُلُولَ، أَوْ يَسْرُدُ قِصَّةً تَحْمِلُنَا إِلَى عَالَمٍ آخَرَ، نَعِيشُ فِيهِ تجَاربَ إِنْسَانِيَّةً تثْرِي خِبْرَتَنَا الْوُجُودِيَّةَ.
2- ثَمَرَاتُ الْقِرَاءَةِ: مِنَ الْمَعْرِفَةِ إِلَى الْهُوِيَّةِ
كُلَّمَا ازْدَدْنَا قِرَاءَةً، ازْدَدْنَا حِصَّةً مِنْ هَذِهِ الثَّمَرَاتِ الْكَثِيرَةِ:
- اتِّسَاعُ الْمَعَارِفِ وَتَشَكُّلُ الشَّخْصِيَّةِ: فَالْكِتَابُ يَبْنِي فِيكَ جُسُورًا مِنَ الْفَهْمِ تَصِلُكَ بِعَوَالِمَ لَمْ تَكُنْ فِي الْحُسْبَانِ.
- الِاسْتِفَادَةُ الْيَوْمِيَّةُ: فَمِنْ خِلَالِ الدُّرُوسِ الْمُسْتَفَادَةِ، نُطَبِّقُ حِكْمَةَ الْآخَرِينَ فِي مَوَاقِفِ حَيَاتِنَا، فَنَتَجَاوَزُ بِسُهُولَةٍ مَا يَعْتَرِضُنَا
- تَهْذِيبُ السُّلُوكِ وَتَزْكِيَة الْقِيمِ: يَعْمَلُ الْكِتَابُ كَمِرْآةٍ نَرَى فِيهَا أَنْفُسَنَا، فَيُعَلِّمُنَا الْخَيْرَ وَيُرَشدُ سُلُوكَنَا، وَيُرَبِّي فِينَا الْإِحْسَاسَ بِالْجَمَالِ وَالْحَقِّ.
3- الْكِتَابُ الْأَعْظَمُ: كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وَإِذَا كُنَّا نَتَحَدَّثُ عَنْ فَضْلِ الْكِتَابِ، فَلَا بُدَّ أَنْ نُفَرِّدَ بِالذِّكْرِ أَفْضَلَ كِتَاب: الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ. فَفِيهِ تجْمَعُ الْكُتُبُ كُلّهَا:
- خِزَانَةُ الْقَصَصِ وَالْعِبَرِ: مِنْ أَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، لِنَأْخُذَ الْعِظَةَ وَنَسْتَبِقَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ.
- مَصْدَرُ الْهُدَى وَالسَّكِينَةِ: يُهَذِّبُ السُّلُوكَ، وَيُرْطِبُ الْقَلْبَ، وَيَعزِّزُ الثِّقَةَ وَالْإِيمَانَ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
- نِهَايَةُ الْفَخْرِ الْعِلْمِيِّ: فَكُلُّ حَرْفٍ فِيهِ عِبَادَةٌ، وَكُلُّ تَدَبُّرٍ فِيهِ اِزْدِيَادٌ فِي الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ.
خَاتِمَةٌ
قرَاءَةٌ مُتَأَمِّلَةٌ لِكِتَابٍ وَاحِدٍ، خَيْرٌ مِنْ اِطِّلَاعٍ سَطْحِيٍّ عَلَى آلافِ الصَّفَحَاتِ

تعليقات
إرسال تعليق